الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

46

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

ممن يصدقونهم وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ( 9 ) . أي المجاوزين للحدود في الكفر ، بعذاب الاستئصال في الدنيا . لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش ، كِتاباً أي قرآنا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي فيه ما يوجب الثناء عليكم ، لكونه بلسانكم وفيه موعظتكم ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 10 ) ؟ أي ألا تتفكرون فلا تعقلون ؟ إن ذلك الكتاب شرفكم ، وسبب اشتهاركم لكونه نازلا بينكم على لسان رسول منكم . وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أي وكثيرا كسرنا من أهل قرية كانوا كافرين بآيات اللّه ، بأن قتلوا بالسيوف ، وَأَنْشَأْنا بَعْدَها أي بعد إهلاك أهلها قَوْماً آخَرِينَ ( 11 ) أي ليسوا منهم نسبا ، ولا دينا فسكنوا ديارهم . فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي أدركوا عذابنا الشديد إِذا هُمْ مِنْها أي القرية يَرْكُضُونَ ( 12 ) أي يهربون مسرعين ، فقيل لهم - بلسان الحال أو بلسان المقال - : لا تَرْكُضُوا أي لا تهربوا ، وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ أي أنعمتم فِيهِ من العيش والحال الناعمة ، وَمَساكِنِكُمْ التي كنتم تفتخرون بها ، لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ( 13 ) . أي لكي يسألكم الوافدون عطاياكم ، إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس ، أو كانوا بخلاء ، فقيل لهم ذلك ، تهكما إلى تهكم . قالُوا لما أيقنوا بنزول العذاب : يا وَيْلَنا أي هلاكنا ، إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 14 ) . أي بقتل نبينا . فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ، أي قولهم ، أي فلم يزالوا يكرّرون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك ، حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي مثل الزرع المحصود بالمناجل في استئصالهم ، خامِدِينَ ( 15 ) . أي ميتين لا يتحركون أي أنهم أهلكوا بالعذاب ، حتى لم يبق لهم حسّ ، ولا حركة ، وجفّوا كما يجفّ الحصيد ، وخمدوا كما تخمد النار . وهذه قصة أهل قرية في جهة اليمن - يقال لها : حضور بفتح الحاء وبالضاد المعجمة - بعث اللّه لهم نبيا وهو موسى بن ميشا ، بن يوسف ، بن يعقوب ، وكان قبل موسى بن عمران ، فقتلوا ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسلّط اللّه عليهم بختنصر . كما سلّطه اللّه على أهل بيت المقدس ، فلما علموا أنهم مدركون ، خرجوا هاربين ، فقالت لهم الملائكة استهزاء لا تَرْكُضُوا إلخ . فرجعوا ، فقتلهم جميعا ولم يترك فيهم عينا تطرف . فلمّا رأوا القتل فيهم أقرّوا بذنوبهم وندموا وقالوا : يا وَيْلَنا أي يا ويل ، احضر فهذا وقتك ، ولم ينفعهم هذا الندم كقوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ . وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 ) . أي وما سوّينا هذا السقف المرفوع ، وهذا المهاد الموضوع ، وما بينهما من العجائب ، التي لا تحصر أنواعها خالية عن الحكم ، كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفروشهم للعب ، وإنما سوّيناها لفوائد دينية ، ودنيوية ، ليتفكّر المتفكّرون فيها ، ويستدلوا بها إلى معرفتنا ، وللمنافع التي لا تحصى . لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً أي يلعب به لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا أي من جهة قدرتنا مما يليق بشأننا من المجردات ، لا من الأجسام المرفوعة ، والأجرام الموضوعة . لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة ، فيستحيل اتخاذنا له قطعا ، إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 17 ) اتخاذ اللهو أردناه لكنا لم نرده فلم نتخذه ، ويجوز أن